وهنا يتوجّه سؤال : ما هو هذا الحكم الذي له هذا الاهتمام عند اللّه ، والذي له الأصالة في دينه بحيث إذا لم يبلّغه لم يقم بواجب الرسالة ؟ سيّما بعد أن عرفنا أنّ الآية نزلت على رسول اللّه في الأيّام الأخيرة من حياته المقدّسة ، بعد أن كان مبلّغا لجميع الأحكام ، مؤدّيا رسالته الكريمة زهاء ثلاث وعشرين سنة ، وكانت الشريعة يومئذ منسّقة ، وأحكامها واصلة ، وقواعدها مشيّدة .
فالصلاة كانت قائمة ، والزكاة مفروضة ، ورمضان يصام ، والبيت يحجّ إليه ، والحلال قد بيّن ، والحرام قد اعلن ، فلم يعرف شيء من الأحكام النازلة من جانبه تعالى إلّا وقد بلّغه الرسول وقام برسالته فيه فما هو ذلك الحكم الذي استحقّ عند اللّه هذا التأكيد ، وقد اقتضى الحضّ على تبليغه هذا الوعيد ؟ ! وقد كان الرسول صلّى اللّه عليه وآله صرف حياته المقدّسة في التبليغ سنين وأعواما .
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
تفيد هذه الجملة : أنّ الرسول كان يرى أنّه غير معصوم من الناس إذا بلّغ ما انزل إليه ، فكان يترصّد وقتا يعصم فيه من الناس ليستطيع تبليغ ما انزل إليه ، وإذا عرفنا أنّ المقصود بالتبليغ هم المسلمون يزيد العجب ، وتشتدّ الحيرة ؛ وذلك لأنّ الرسول لم يكن يرى نفسه مستطيعا تبليغ هذا الحكم للمسلمين !
وهلّا كان صحابته الكبار وأخصّاؤه الكرام قادرين على أن يعصموه من الناس ؟
تلك العصبة التي كانوا يضحّون بأنفسهم في سبيله ، ويتسابقون إلى الشهادة لحفظ حياته ، فكيف لم يقدروا أن يعصموه ليكون بحاجة إلى العصمة من جانب القدرة الإلهية الكبرى ؟ !
ثمّ إنّه لم يعرف من حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسيرته كونه يخشى في دعوته الكفّار ، فضلا عن أن يخشى في تبليغه حكما للمسلمين ، والحال أنّ تبليغ ذلك الحكم كان في عصر قوّة الإسلام وشوكته ، حينما كان الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا .
ومن الجدير بالذكر : أنّ « ال » التي تحلّى بها كلمة « ناس » تدلّ على العهد ، لبعد