والقاسم المشترك بين الآيتين : اختصاص المضمون في كلّ منهما بالرسول ، ولا يشترك معه غيره ، فإنّ التبليغ من وظائف الرسول خاصّة . كما أنّ الحزن للذين يسارعون في الكفر يختصّ بالرسول : إمّا لأجل رحمته بهم ، أو لأنّه يخطر في باله أنّه مقصّر في رسالته ، أو لكلاهما ، فبشّره اللّه بانتفاء ذلك .
بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
أمر اللّه رسوله بتبليغ ما انزل عليه من قبل ، وإنّ الأمر يتعلّق بتبليغ حكم لم يكن له نظير ، لا قبل ذلك ، ولا بعده . فإنّ سنّة اللّه كانت على إنزال الأحكام فقط ، واختيار ساعة التبليغ كان بيد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في أيّ وقت يراه صالحا لذلك ، فلم يؤمر النبيّ بتبليغ حكم من جانب ربّه سوى ما في هذه الآية ، حيث أنزل اللّه عليه الحكم أوّلا ، ثمّ أمر بتبليغه ثانيا .
ويفيد ذلك : أنّ ما انزل إلى الرسول كان من أهمّ الأسس الدينية عند اللّه ، حيث خصّصه بشيء دون سائر الأحكام ، وهو : أنّ ساعة تبليغه قد حدّدت من جانب ربّه عزّ وجلّ .
خصوصيّات في الآية ، وتشهد على أنّ الحكم كان محلّ اهتمام الرّب عزّ وجلّ :
منها : إضافة « ما أنزل » إلى « كاف » الخطاب ، حيث لم يطلق ، ولم يقل : بلّغ ما أنزل .
ومنها : إضافة كلمة « الرّب » إلى « كاف » الخطاب ، فلم يعبّر عن ذاته المقدّسة من دون إضافة ، فلم يقل : « ما انزل إليك من الربّ » ، و « من اللّه » ، فأبى اللّه - عزّ وجلّ - إلّا إسناد نفسه إلى رسوله .
ومنها : تصدير الآية بقوله : يا أيّها الرسول ، حيث لم يقل : يا أيّها النبيّ ، فإنّ الواجب على الرسول الرسالة .
ومنها : قوله تعالى :
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
فإنّه يفيد : أنّ ذلك الحكم الّذي انزل إلى الرسول له الأصالة في دين اللّه عند اللّه ، بحيث لو لم يكن الرسول يبلّغه لما كان قائما بواجب الرسالة .