ثمّ إنّ قوله تعالى :
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
« 1 » يفيد أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله نصبه ربّه معلّما للبشريّة أيضا ، يعلّمها بأقواله وبأفعاله ، فأصبحت سنّته السنيّة شرعا ، وقوله وفعله أسوة للناس .
ويفترق التعليم عن تلاوة الآيات : بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عند التعليم مختار في انتخاب الألفاظ التي يستعملها ، ولكن لا خيار له في انتخابها عند تلاوة الآيات ؛ لأنّ ألفاظها صادرة من قبل اللّه تعالى .
وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
والمقصود من العلم الذي لا يعرفه البشر - واللّه العالم - هو العلم الذي لا يتمكّن البشر من الوصول إليه بحسب طبيعتهم البشريّة ، وهو الذي يضرّهم جهله ، وينفعهم علمه ، مثل معرفة اللّه حقّ المعرفة بقدر الطاقة البشريّة ، ومعرفة صفاته الجلاليّة والجماليّة ، ومعرفة ملائكته وأنبيائه ، ومعرفة إبليس وجنوده ، ومعرفة الجنّة ونعيمها ، والنار وجحيمها ، والقبر والقيامة ، والحشر والنشر ، والصراط والميزان ، وثواب الأعمال وعقاب الأعمال ، ممّا تعلّمه البشر عن طريق الأنبياء . . .
وهذه هي الخطوة الخامسة من خطا محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، تلك التي أرسله اللّه لأجلها ، وهي القواعد الخمسة لبناء صرح الإنسانية في العالم .
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
كانت البشرية قبل ظهور محمّد صلّى اللّه عليه وآله في ضلال ، وأيّ ضلال ؟ ! وقلّما كان يومئذ من يهتدي للحقّ ويمشى على صراط مستقيم . فقد اعتنق المسيحية قليل من الناس ، وكثير منهم خرجوا عن المسيحية البيضاء بأسباب البدع التي حدثت في ذلك الدين القيّم ؛ وذلك حين كثر أرباب البدع بعد عيسى عليه السّلام .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) الآية 151 .