تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
الكلمة من معنى ، والتراجع هو التأخّر والرجوع إلى الحيوانية . إنّ الوصول إلى الإنسانية يتحقّق بقطع مراحل ثلاث : مرحلة تطهير القلوب ، ومرحلة تطهير الأعراق ، ومرحلة تطهير الأفعال . ونقصد من تطهير القلوب : إبعاد العقائد الفاسدة ، وتخطئة الآراء الخاطئة ، مثل إنكار وجود البارئ ، والاعتقاد بالشرك ، والإيمان بخرافات وبدع دخلت في الدين ولم تكن منه ، وأمثالها ممّا لا يصدّقه العقل ، وقامت البراهين على فساده . وقد دخلت أمثال هذه الأباطيل في آراء البشر ومعتقداتهم عندما لم يجدوا مبدأ صحيحا ، فامنوا بالباطل واتّخذوه مذهبا ؛ وذلك : إمّا لأنّ الوسط الّذي نشئوا فيه لم يسمح لهم بالتعرّف على مبدأ حقّ ، وإمّا لأنّهم ورثوا الباطل عن آبائهم وامّهاتهم ، أو تعلّموه من معلّم ، أو اتّخذوه من جليس ، فدعتهم الأنانيّة وعبادتهم لأنفسهم أن يتعصّبوا لذلك الباطل الذي جعلوه صنما لأنفسهم . وتطهير القلب : هو إزالة ذلك عن النفس وكسر تلك الأصنام . إنّ التعصّب أمر طبيعيّ في الجملة ، وهو من النزعات النفسيّة ، وينجم عن حبّ الذات ، وإذا صار شديدا فهو يعمي ويعمّ ، ويجعل سدودا وحواجز تمنع من تلمّس الواقع ، ولولا التعصّب في البشر لكان العالم البشريّ كلّه مشرقا بالرشاد والمثل والقيم ، ولا يوجد فيه حائر عن الحقّ . إنّ العقل لا يستحسن التعصّب ، والدين لا يحبّذه ، والضمير الإنساني يطرده ، ومأساة البشريّة منه . إنّ التعصّب من معوّقات التديّن ، وهو صادّ عن المثول بين يدي الحقيقة ، وكثيرا ما يشتبه الأمر فيرى التعصّب تديّنا ، والحال أنّ التعصّب شيطاني ، ولكنّ التديّن رحماني . ونقصد بالتعصّب : عقد القلب على الإيمان بأمر ولو حقّا ، لأنّه اتّخذه مذهبا ، ونقصد بالتديّن : عقد القلب على الإيمان بالحقّ ؛ لأنّه حقّ . إنّ المتعصّب يصعب عليه الإصغاء إلى كلمة تهديه إلى فساد مذهبه ، فقد جعل في اذنيه وقرا ، وأرخى أمام عينيه سترا ، وإذا أصغى إلى تلك الكلمة فإنّه يصعب عليه