تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
بالمثل الأخلاقية والقيم الروحية . إنّ صفة « البشرية » طبيعة مزدوجة من نقص وكمال . ونقصد من النقص : جانب حيوانيّته ، ومن الكمال : قابليّته لأن يصير إنسانا . فللبشرية وجهان : وجه إلى القمّة ، ووجه إلى الحضيض . وبذلك كان لها الفضل على كافّة أنواع الحيوان التي لا وجه لها إلى القمّة . فالبشر فوق الحيوان ودون الإنسان . ومن ميزات الحيوان : السعي إلى ما يشتهيه ، وبذل الجهد في الوصول إلى هذه الغاية ، ولا يقدر على خلاف ذلك . ومن ميزات البشر : القدرة على التخلّي عمّا يشتهيه ، فإنّه قادر على مكافحة نفسه ، وليس الحيوان بقادر على هذا الكفاح . إنّه أضعف من ذلك ودون هذه المرتبة . والبشرية التي تسعى وراء ما تشتهيه وفي سبيل تحقيق هواها فإنّها هي حيوان مستقيم القامة في صورة الإنسان ، والإنسان الذي استطاع أن يكافح هواه ويجاهد نفسه فإنّما هو إنسان في صورة بشر ، إذ الإنسان أشرف من أن يكون له صورة جسمانية ، والوجه الحضيضيّ للإنسان هو شهوته وغضبه ، وحياة الحيوان تقوّم بها ، والوجه العلويّ للإنسان هو عقله ونبله ، وحياة البشر تكون بهما ، فإذا سعى الإنسان إلى جهة الحضيض وذهب وراء شهوته وغضبه واستخدم عقله للوصول إلى مآربه الشهويّة أو الغضبيّة فقد تنزّل عن مرتبة البشريّة إلى الحيوانية ، وهذا هو التراجع الواقعي . وإذا تسلّق وسعى إلى جهة القمّة فقد تعالى عن البشريّة إلى الإنسانية ، ويصير أشرف وأفضل من الملائكة . إنّه مجاهد ، وليست الملائكة من المجاهدين . إنّ بعثة الرسل عامّة ، ورسالة محمّد صلّى اللّه عليه وآله خاصّة ، ما هي إلّا تقوية ومساعدة للبشريّة لتصعد إلى الإنسانية ؛ لأنّ العقل والنبل البشريّين وحدهما يعجزان عن مباراة شهوة الإنسان وغضبه من دون مساعد ومعاون . ونواة الإنسانية مزروعة في أرض البشريّة ، وهي تطلب النموّ ، ونموّها ليس إلّا بالتحلّي بمكارم الأخلاق ، وذلك هو التوجيه الخلقيّ وتزكية النفوس . قال محمّد صلّى اللّه عليه وآله : « بعثت لاتمّم مكارم الأخلاق » « 1 » وتتميم مكارم الأخلاق هو تزكية
هامش
( 1 ) . مجمع البيان ، ج 10 ، ص 333 ؛ البحار ، ج 16 ، ص 210 و 287 ؛ أمالي الطوسي ، ج 1 ، ص 27 .