لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ
سؤال
: قال تعالى :
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ . وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
. « 1 » والبلد هو البلد الأمين مكّة المكرّمة . وقد أقسم به في سورة التين :
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ . وَطُورِ سِينِينَ . وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
. « 2 » فكيف التوفيق ؟
جواب
: قالوا بزيادة « لا » هنا ليكون معنى الكلام إثباتا لا نفيا ، وأن العرب قد تدخل « لا » في أثناء كلامها وتلغي معناها ، وأنشدوا في ذلك أبياتا . ونحن قد فنّدنا ذلك وذكرنا أن لا شاهد عليه في كلام العرب ، فراجع . « 3 » والصحيح أن يقال : إنّ مورد الآيتين مختلف ، فمرّة لا يقسم ومرّة يقسم باختلاف الموارد . . . إذ ليس المعنى في سورة البلد أنّه تعالى لا يقسم أبدا بهذا البلد ، بل لا يقسم في مورد خاصّ - لوضوحه - وهو أنّ الإنسان خلق في كبد . . . أمّا المعنى في سورة البلد فهو على القسم حيث أهمّية المورد ( المقسم عليه ) وهو أنّ الإنسان خلق ليكون رفيعا لكنّه بيديه حطّ من شأن نفسه فارتدّ أسفل سافلين بسوء تدبيره وسوء عمله .
وهنا جواب آخر لعلّه أدقّ وهو : أن ليس المراد ( في آية البلد ) نفي الإقسام على الإطلاق ، ليكون متنافيا مع الآية الأخرى ( في سورة التين ) . بل هو نوع من القسم على الشكل السلبي ، حيث عدم الحاجة إليه بعد وضوح الأمر وظهوره ، وهو آكد في إثبات المطلوب بشكل أدبيّ رائع .
والمعنى : إنّي لا أحلف ، إذ لا حاجة إليه بعد وضوح الأمر . وهذا يعني أنّ الأمر متأكّد الثبوت بذاته واضحا جليّا من غير حاجة إلى إقامة حجّة ودليل .
فهو في حقيقته قسم ، لكن بصورة سلبية هي آكد من صورة الإيجاب .
هامش
( 1 ) البلد 90 : 1 و 2 .
( 2 ) التين 95 : 1 - 3 .
( 3 ) وللعلّامة البلاغي تحقيق مستوف في ذلك : تفسير آلاء الرحمن ، ج 1 ، ص 38 - 41 .