تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات تاريخية من القرآن الكريم — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
وأيا ما كان الأمر ، فإن حكم داود - وكذا سليمان ، عليهما السلام ، إنما يمثل فترة الرخاء الوحيدة التي قدّر للشعوب العبرانية أن تعرفها على مرّ الدهور ، وهي تقوم على محالفة وثيقة الأواصر مع مدينة « صور » الفينيقية التي يلوح أن ملكها « حيرام » كان رجلا قد أوتى نصيبا كبيرا من الذكاء والقدرة على المغامرة ، وكان يبغي أن يكفل للتجار في البحر الأحمر طريقا آمنا عبر منطقة التلال العبرانية ، وكان الأصل في التجارة الفينيقية أن تذهب إلى البحر الأحمر عن طريق مصر ، بيد أن مصر كانت في تلك الفترة تمر بحالة من الفوضى ، هذا وقد أنشأ حيرام أوثق العلاقات مع داود وسليمان عليهما السلام ، وقد أنشئت بمساعدة حيرام أسوار أورشليم وقصرها ومعبدها ، وفي مقابل ذلك بني حيرام سفنه على البحر الأحمر وسيّرها فيه ، وأخذ سيل جسيم من التجارة يتدفق خلال أورشليم نحو الشمال والجنوب « 1 » ، بخاصة وأن داود عليه السلام قد سيطر تماما على طرق لقوافل القادمة من بلاد العرب الجنوبية والتي كانت تمر في مملكته عند النهاية الشمالية لخليج العقبة على الجانب الشرقي لوادي عربة ، وحتى غوطة دمشق ، ثم ترتبط بالطرق المؤدية إلى شمال سورية فآسيا الصغرى ، وتلك التي كانت تمر بالصحراء الغربية إلى « ميزوباتاميا » ، مما كان له أكبر الأثر في حالة دولة داود الاقتصادية ، بل إن هناك من يذهب إلى أن حروب داود إنما كانت لهذا الغرض ، على الرغم من أن المصادر المتبقية من عهده لا تعطي أهمية لذلك « 2 » ، وهذا ما نرفضه تماما ، ذلك أن داود ، وإن كان ملك اليهود القدير ، فهو قبل ذلك وبعده نبيّ اللّه ورسوله ، وما كان الأنبياء أبدا يحاربون من أجل أسباب اقتصادية ، وإنما كانت حروبهم كلها جهادا في سبيل اللّه ونشر كلمة « لا إله إلا اللّه » .
هامش
( 1 )H . G . Wells , Ashort History of the World , p .76 . ( 2 )O . Eissfeldt , Op - cit , p .583 .