تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات تاريخية من القرآن الكريم — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
حَيْثُ أَصابَ
، فكون الريح جاريا بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب ، ولا شك أنه معجزة دالة على نبوته ، فكان قوله ؛
هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
هو هذا المعنى لأن شرط المعجزة أن لا يقدر غيره على معارضتها ، فقوله :
لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
يعني لا يقدر أحد على معارضته ، وهناك وجه آخر أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة ، عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى الغير بإرث أو بسبب آخر ، فسأل ربه ملكا لا يمكن أن ينتقل منه إلى غيره ، وذلك الذي سأله بقوله :
مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
، أي ملكا لا يمكن أن ينتقل عني إلى غيري « 1 » . وهكذا يبدو واضحا أن جمهرة المفسرين لا يذهبون إلى أن سليمان عليه السلام ، سأل اللّه ملكا واسعا ، بمعنى مساحات واسعة من الأرضين ، وإنما سأل اللّه تعالى ملكا معجزا لا يكون لأحد غيره من بعده ، فكانت هذه المعجزات من تسخير الريح بأمره رخاء حيث أصاب ، والشياطين كل بناء وغواص ، وآخرين مقرنين في الأصفاد ، إلى غير ذلك من معجزات لم يشاركه فيها أحد ، كما أشرنا إلى كل ذلك في مكانه من هذه الدراسة ، ومن ثم فلامكان للربط بين ملك شاسع المساحات ، كما ذهبت إلى ذلك بعض المصادر العربية ، وبين نبوة سليمان عليه السلام ، وكأن مكانة النبي الكريم لا تكون إلا بملك الدنيا كلها ، كما ذهب البعض ، حيث جعلوا من سليمان عليه السلام ، واحدا من أربعة ( نمرود وبختنصر وذو القرنين وسليمان ) ملكوا الدنيا بأسرها ، بل إن سليمان ، فيما يقولون ، « كان لا يسمع بملك في ناحية من الأرض إلا أتاه حتى يذله » ، ونسوا ، أو تناسوا ، أن سليمان عليه السلام ، لم يكن ، ولن يكون ، جبارا في الأرض ، وإنما كان رسولا نبيّا ، وهاديا إلى اللّه بإذنه ، ومبشرا ونذيرا ، ونسوا كذلك أن النبوة أشرف وأكرم من ملك الدنيا وما فيها ، وإن جمع اللّه لسليمان ، كما جمع لأبيه من قبل ، بين
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي 26 / 209 - 210 .