تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات تاريخية من القرآن الكريم — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
ويأتي الهدهد بعد مكث غير بعيد ، فيقول للنبي الكريم « أحطت بما لم تحط به » ، وفي هذا ، كما يقول الإمام الفخر الرازي ، تنبيه لسليمان على أن من أدنى خلق اللّه تعالى من أحاط علما بما لم يحط ، فيكون ذلك لطفا في ترك الإعجاب ، والإحاطة بالشيء علما أن يعلم من جميع جهاته « 1 » ، ثم يخبره بهذا الذي لم يحط به
وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ، وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ
، أي أنني أتيت من سبأ - وهي مملكة عظيمة في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية - وقد وجدت القوم تحكمهم امرأة » « 2 » أوتيت من كل شيء » ، كناية عن عظمة ملكها وثرائها وتوافر أسباب الحضارة والقوة والمتاع ، « ولها عرش عظيم » أي سرير ملك فخم ضخم يدل على الغنى والترف وارتقاء الصناعة أو عظيم في قدره وعظم خطره ، لا عظمة في الكبر والسعة ، لكن هذه المرأة وقومها
يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ
، وهنا نجد أنفسنا أمام هدهد عجيب ، صاحب ذكاء وإيمان ، وبراعة في عرض النبأ ، ويقظة إلى طبيعة موقفه وتلميح وإيماء أريب ، فهو يدرك أن هذه ملكة وأن هؤلاء رعية ، ويدرك أنهم يسجدون للشمس من دون اللّه ، ويدرك أن السجود لا يكون إلا للّه رب العرش العظيم ، وما هكذا تدرك الهداهد ، إنما هو هدهد خاص أوتي هذا الإدراك الخاص ، على سبيل الخارقة التي تخالف المألوف « 3 » . ومن ثم فقد أراد النبي الكريم أن يختبر صدق الهدهد في دعواه ، وفي
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي 24 / 190 . ( 2 ) روي البخاري والترمذي والنسائي بسنده عن أبي بكرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى قال : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ( البداية والنهاية 2 / 22 ) . ( 3 ) في ظلال القرآن 5 / 2638 ، وانظر تفسير الطبري 19 / 148 .