وهناك ملحظ آخر :
إنّ القرآن الكريم في سعة تدخّله بوضع اللوائح القانونية - أعني التفصيلات الوافية - في نطاق الأسرة أخذ بضرورة وضع الاحتياطات المناسبة والضرورية في عدم ترك العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة عرضة للاجتهاد ، فالأحكام هنا يجب أن تكون قطعية واضحة ومحدّدة ، كما لاحظناه في مسائل الطلاق ومسائل الإرث مثلا ، وأخذ الاحتياطات هنا بلحاظ أنّ المجتمع قد ينفلت من الخضوع للقواعد والأحكام التي أرادها الشرع ، إذا كان فيها مجال للاجتهاد والتأويل ، وكما وقع ويقع مثلا ، في نطاق التعامل التجاري والمالي ، إلّا أنّ ذلك قد لا يؤدّي إلى خراب شامل ، لأنّ المجتمع حينئذ قد يتعارف ويتواضع على أساليب وأصول في التعامل وإن كانت غير مشروعة في نظر الشرع . وهذا أمر لا يؤدي إلى انفراط عقد المجتمع ، ولا إلى فوضى الحقوق والواجبات ، وهو ربما يمكن تلافيه وإصلاحه .
بينما لو قدّر أن يحدث مثل هذا الانفلات في نطاق الأسرة لأدّى ذلك إلى الانهيار الشامل الذي لا اصلاح بعده ، ولا استدراك لما يمكن أن ينشأ من جرائه . ومن هنا نلاحظ تكرار مثل قوله تعالى :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها
« 1 » ونحو ذلك .
الحقوق الخاصّة والحقوق العامّة :
يهدف القرآن الكريم - في عملية تقنين المجتمع - إلى ضبط الفعّاليّات الاجتماعية المتنوّعة ، سواء في نطاق التعامل المالي أو غيره ، ويرمي أول ما يرمي إلى الحيلولة دون نشوء حالة النزاع والخصومة ، وذلك بإقرار الحقوق والواجبات ، كما يستفاد مثلا من قوله تعالى
وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ
« 2 » إذا أعطينا صفة التعميم لهذه القاعدة . وبحاكمية نفي الضرر « 3 » ، بمعنى أنه - أي القرآن - في الوقت
هامش
( 1 ) البقرة : 229 .
( 2 ) البقرة : 228 .
( 3 ) راجع في حاكمية قاعدة الضرر كتاب فرائد الأصول : ص 296 الطبعة القديمة - قم .