سياق بيان آيات اللّه وحكمه كانت مجهولة للعرب أو لجميع البشر في الغالب .
حتّى أنّ المسلمين أنفسهم كانوا يتأوّلونها ويخرّجونها عن ظواهرها لتوافق المعروف عندهم في كلّ عصر من ظواهر وتقاليد أو من نظريّات العلوم والفنون الباطلة . . » « 1 » . . يعلّقون على هذا القول ، بأنّ المسلمين الذين لم يعرفوا أنّ قرآنهم جاء مؤيّدا لحقائق العلوم - التي لم يوفّق إليها العلماء إلّا بعد أربعة عشر قرنا - قد حسن إيمانهم بالقرآن ، وحسن انتفاعهم بأحكامه وآياته ، فنشروا نوره وأقاموا دولته ونفّذوا أوامره وانتهوا بنواهيه وتأدّبوا بآدابه . في حين أنّ الذين يعرضون الآن علمهم وذكاءهم وقدرتهم على استنباط ما يتّفق من آيات القرآن مع العلم الحديث هم أقلّ الأجيال المسلمة تأثّرا بهذا القرآن في شؤون دينهم ودنياهم « 2 » .
وهكذا قال ابن سراقة : بعض وجوه إعجاز القرآن ما ذكر اللّه فيه من أعداد الحساب والجمع والقسمة وما إلى ذلك ، ليعلم بذلك أهل الحساب أنّه صلّى اللّه عليه وآله صادق في قوله ، وأنّ القرآن ليس من عنده ، إذ لم يكن ممّن خالط الفلاسفة ولا تلقّى الحساب وأهل الهندسة . . « 3 » .
* * * يبدو أنّ الذي دعا بالقائل بعدم الشمول واقتصار التحدّي على العرب الأوائل وفي جانب بيانه فقط هي نظرته القاصرة على آيات وقع التحدّي فيها موجّها إلى العرب بالذات . ولا شكّ أن تحدّيا موجّها إلى العرب يومذاك لا يعني سوى جانب البيان الذي فاق أساليب العرب وأعجزهم عن أن يأتوا بمثله .
غير أنّ تحدّي القرآن لم يقتصر على فترة من الزمان ولا على امّة من الناس دون من سواهم . فنراه وجّه نداءه الصارخ إلى البشريّة جمعاء في طول الزمان وعرضه ، ولكلّ الأجيال ومختلف الأقوام ، وما شأنه ذلك لا يعقل اقتصاره على
هامش
( 1 ) راجع تفسير المنار : ج 1 ص 212 .
( 2 ) التفسير العلمي للقرآن : ص 133 - 134 .
( 3 ) الإتقان للسيوطي : ج 6 ص 31 .