هذا كلامه الظاهر في اشتمال القرآن على دقائق ولطائف لا يمكن الوقوف على حقيقتها إلّا بعد الحصول على علوم مرتبطة ومعارف متناسبة مع الذي جاء في القرآن .
وهو كلام صحيح ، حيث إحدى الوسائل لمعرفة معاني كلام اللّه تعالى ، هي العلوم والمعارف البشريّة العالية .
وهناك فرق بين الانبعاث نحو العلوم والمعارف ، وبين الانتشاء واستخراج العلوم منه . فإنّ الصحيح هو الأول دون الأخير الذي ذهب إليه أمثال المرسي .
* * * ولأبي إسحاق الشاطبي - الفقيه الأصولي - ( المتوفّى سنة 790 ه ) رأي معارض ، ينكر على القائلين باشتمال القرآن على أنواع العلوم غير الشرعيّة ، وحتى الإشارة إليها سوى ما كانت العرب تعرفه من علوم متعارفة ، كعلم الأنواء وبعض التواريخ وما أشبه ممّا كان متداولا لدى العرب وأشار إليه القرآن في عرض كلامه . . .
قال : إنّ العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس ، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق ، واتّصاف بمحاسن الشيم ، فصحّحت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه ، وأبطلت ما هو باطل ، وبيّنت منافع ما ينفع من ذلك ، ومضارّ ما يضرّ منه . ثمّ ذكر من العلوم الصحيحة التي اعتنت العرب بها علم النجوم وما يختصّ به من الاهتداء في البرّ والبحر ، واختلاف الأزمان باختلاف سيرها ، وما يتعلّق بهذا المعنى .
ثم قال : وهو معنى مقرّر في أثناء القرآن في مواضع كثيرة ، كقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
« 1 » وقوله :
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
« 2 » وقوله :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ
هامش
( 1 ) الأنعام : 97 .
( 2 ) النحل : 16 .