أمّا الآيات الكريمة التي استندوا إليها فهي على نمطين :
الأول : ما كان المقصود من الكتاب المذكور فيها هو القرآن ، غير أنّ المقصود :
تبيان كلّ أمر يمسّ شؤون الدين وأحكام الشريعة الغرّاء .
إذ قوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
« 1 » ، يعني : تبيانا لكلّ شيء يمسّ أمر الشريعة . قال الطبرسي : ومعناه : ليبيّن كلّ شيء يحتاج إليه من أمور الشرع . فإنّه ما من شيء يحتاج الخلق إليه في أمر من أمور دينهم إلّا وهو مبيّن في الكتاب ، إمّا بالتنصيص عليه أو بالإحالة على ما يوجب العلم من بيان النبي صلّى اللّه عليه وآله والحجج القائمين مقامه أو إجماع الامّة . فيكون حكم الجميع في الحاصل مستفادا من القرآن « 2 » .
فالحاصل : أنّ أصول المعارف ومباني أحكام الشريعة كلّها مذكورة في القرآن ، هذا لا شكّ فيه ، ولا بدّ أن يكون كذلك ، لا أكثر ولا أقلّ .
وذلك ، لأنّ القائل - الذي تعهّد هذا البيان - هو الشارع فلا بدّ أن يكون مما يمسّ جانب الشرع لا غير . . والروايات بهذا الشأن كثيرة « 3 » .
وهذا نظير ما إذا تعهّد طبيب حاذق بأنّه كتب رسالة جمع فيها ما يحتاج إليه الناس وأطلق الكلام ، فإنّ المنصرف من كلامه هذا والمستفاد منه ليس سوى الأمور الراجعة إلى الصحّة والمرض والأدوية والأدواء لا غير ، لأنّه هو المستفاد المنصرف إليه كلام مثل الطبيب . . . وهكذا الفقيه البارع وغيره من ذوي الاختصاص إنّما تعود تعهّداتهم إلى جانب تخصّصاتهم ، ولا يتعدّاها في شيء .
وكذا قوله :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 4 » لو كان المراد هو القرآن . أمّا لو كان المقصود هو اللوح المحفوظ - كما قيل - فشأنه خارج عن مورد البحث « 5 » .
هامش
( 1 ) النحل : 89 .
( 2 ) مجمع البيان : ج 6 ص 380 .
( 3 ) راجع الميزان : ج 12 ص 350 .
( 4 ) الأنعام : 38 .
( 5 ) مجمع البيان : ج 4 ص 298 .