الأول منها : استعارة المحسوس للمحسوس ، وهذا كقوله تعالى :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
« 1 » فالمستعار هو النار ، والمستعار له هو الشيب بواسطة الانبساط والإسراع ، فالطرفان محسوسان كما ترى ، والجامع بينهما محسوس ، ولكنه في النار أظهر ، ويلحق بهذا الضرب قوله تعالى :
إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
« 2 » فالمستعار له هو الريح ، والمستعار منه هو المرأة ، والجامع بينهما عدم الإنتاج وظهور الأثر ، فالطرفان هاهنا حسّيان ، لكن الجامع بينهما أمر عقلي ، بخلاف الأولى ، فإنّ الجامع أمر حسّيّ .
ومن هذا قوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
« 3 » فالمستعار له هو ظهور النهار من الليل وظلمته ، والمستعار منه هو ظهور المسلوخ من جلده ، فالطرفان حسّيان كما ترى ، والجامع بينهما ما يعقل من ترتيب أحدهما على الآخر .
ومنه قوله تعالى :
فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
« 4 » فالمستعار له هو الأرض المتزخرفة المتزيّنة بالنبات ، والمستعار منه هو نباتها ، وهما حسّيان ، والجامع بينهما الهلاك ، وهو أمر معقول غير محسوس .
ومن هذا قوله تعالى :
حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ
« 5 » فأصل الخمود للنار ، فالمستعار منه هو النار ، والمستعار له هو القوم المهلكون ، والجامع بينهما هو الهلاك .
ونحو قوله تعالى :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
« 6 » فالمستعار منه هو الطائر ، والمستعار له هو الولد ، والجامع بينهما هو لين العريكة وانحطاط الجانب ، وهو معقول غير محسوس .
هامش
( 1 ) مريم : 4 .
( 2 ) الذاريات : 41 .
( 3 ) يس : 37 .
( 4 ) يونس : 24 .
( 5 ) الأنبياء : 15 .
( 6 ) الإسراء : 24 .