العظيمة ، والإيلامات المهلكة ، فهكذا ترى جميع التشبيهات الواقعة في التنزيل ، فإنّ لها مقاصد عظيمة ، ومضمّنة لأغراض دقيقة يعقلها من ظفر في هذه الصناعة بأوفر حظّ ، وكان له فيها أدنى ذوق ، وحام حول تلك الدقائق بذهن صاف عن كدور البلادة ، فعن قريب يحصل على البغية بلطف اللّه تعالى وحسن توفيقه .
الثالث : في كيفية التشبيه ، وهو في وروده يكون على أوجه أربعة :
أولها : أن يكونا - أعني المشبّه والمشبّه به جميعا - مدركين بالحس ، وهذا نحو تشبيه الخدّ بالورد ، والشعر الفاحم بالليل ، ومن هذا قوله تعالى :
كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ
« 1 » وقوله تعالى :
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
« 2 » وغير ذلك ممّا يكون طريقه الحسّ والمشاهدة ، وهو أجلى ما يكون من التشبيهات ، لقوته وظهور طريقه .
وثانيها : أن يكونا جميعا عقليين من غير إحساس ، كالعلم بالحياة ، فيشبّه العلم بالحياة لما فيه من النفع في الآخرة ، ويشبّه الجهل بالموت لما فيه من خمول الذّكر ، وقد أشار اللّه تعالى إلى هذا بقوله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
« 3 » فالإحياء والإماتة هنا مجاز في العلم والجهل ، وأنّ المقصود من الآية تفاوت ما بين الحالتين ، بين من أحياه اللّه تعالى بالعلم ، وبين من أماته اللّه تعالى بالجهل ، كما أنّ من كان في الظلمة ليس حاله كحال من هو في النور ، يتصرّف ويتقلّب .
وثالثها : أن يكون أحدهما حسّيا ، والآخر عقليا ، كالمنيّة بالسبع ، فالمنيّة
هامش
( 1 ) الرحمن : 58 .
( 2 ) الصافّات : 49 .
( 3 ) الأنعام : 122 .