ومن هذا قوله تعالى :
إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ
« 1 » والرميم هو العظم البالي ، استعير للإهلاك ، والأمثلة في التنزيل أكثر من أن تحصى بجانب الاستعارة .
الثاني : استعارة معقول من معقول بواسطة أمر معقول ، وهذا كقوله تعالى :
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
« 2 » فالمستعار هو الرقاد ، والمستعار له هو الموت ، والجامع بينهما هو سكون الأطراف وبطلان الحركة .
وهكذا قوله تعالى :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
« 3 » فوصف الغضب بالسكوت على جهة الاستعارة ، فالمستعار هو السكوت ، والمستعار له هو الغضب ، والجامع بينهما هو زوال الغضب ، كما أنّ السكوت زوال الكلام ، وهذه كلها أمور عقلية .
ومن هذا قوله تعالى :
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
« 4 » فالتميّز هاهنا هو شدّة الغضب ، فالمستعار منه هو حالة الإنسان عند غضبه ، استعيرت للنار عند شدّة تلهّبها ، والجامع بينهما هو الحالة المتوهّمة عند شدّة الغيظ ، فهي مستعارة للنار ، اللّهمّ أجرنا منها برحمتك الواسعة .
ومن هذا قوله تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
« 5 » ففيه استعارتان ، الأولى منهما : قوله تعالى :
وَقَدِمْنا
فإنما يستعمل في حقّ الغائب ، فاستعير لعرض أعمال الكفّار على اللّه تعالى ، والجامع بينهما أمر معقول ، وهو تصييرها إلى البطلان والتلاشي . والثانية : قوله تعالى :
فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
والهباء حقيقته الغبار الثائر من الأرض عند دخول الشمس من الكوّة ، وهو مستعار للأعمال الباطلة ، والجامع بينهما هو التلاشي والبطلان ، وهذان المثالان حسّيان ، لكنّا إنّما أوردناهما في هذا الضرب وإن كان استعارة
هامش
( 1 ) الذاريات : 42 .
( 2 ) يس : 52 .
( 3 ) الأعراف : 154 .
( 4 ) الملك : 8 .
( 5 ) الفرقان : 23 .