المعقول من المعقول ، لما كان الجامع بينهما أمرا معقولا كما ترى .
الثالث : استعارة المحسوس للمعقول ، ومثاله قوله تعالى :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
« 1 » والغرض من هذا إثبات الصفات المحسوسة للأمور المعقولة على جهة الاستعارة ، وبيانه هو أنّ القذف والدمغ من صفات الأجسام ، يقال : دمغه إذا هاض قحف رأسه ، وقذفه بالحجر إذا رماه به ، وقد استعير هاهنا للحقّ والباطل ، والجامع بينهما هو الإعدام والذهاب .
ومن هذا قوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
« 2 » والصدع من صفات الأجسام ، يقال : انصدع الإبريق والقارورة ، وقد استعير هاهنا لوضوح أمر الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيما جاء به من الحقّ وإظهار النبوّة ، والجامع بينهما هو التفرقة بين الحقّ والباطل وإزالة التباس أحدهما بالآخر .
ومن هذا قوله تعالى :
وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
« 3 » فالزلزلة حقيقتها هي الاضطراب في الأجسام ، وقد استعيرت هاهنا للفشل والاضطراب في الأحوال ، والجامع بينهما هو تغيّر الأحوال .
وهكذا قوله تعالى :
فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
« 4 » فحقيقة النبذ إنّما يكون مستعملا في طرح الشيء من أعلى إلى أسفل ، ثم استعمل مجازا على جهة الاستعارة في إلقاء ما حمّلوه من التكاليف عن أنفسهم بترك الامتثال ، والجامع بينهما هو الإعراض عمّا الزموا به من تلك الأمور كلّها ، إلى غير ذلك من الاستعارات الرائقة من محسوس بمعقول .
الرابع : استعارة المعقول للمحسوس ، ومثاله قوله تعالى :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
« 5 » فالطغيان هو التكبّر والاستعلاء بغير حقّ ، وهما أمران
هامش
( 1 ) الأنبياء : 18 .
( 2 ) الحجر : 94 .
( 3 ) البقرة : 214 .
( 4 ) آل عمران : 187 .
( 5 ) الحاقّة : 11 .