مفتتح بالمهمّ الذي يفتقر إليه المدعوّ له في تلك الحال ، وهو رفع درجته في الآخرة . وثانيه مردف بالمهمّ الذي يؤثره المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده في الدنيا . وثالثه مختم بالجمع بين الداعي والمدعوّ له .
قال ابن الأثير : وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما تقصد له « 1 » ومن الإيجاز بالقصر ما لا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدّتها ، لا بل يستحيل ذلك عادة ، وهو أعلى طبقات الإيجاز وأشرفها وأعزّها شأنا ، ولا يوجد مثله في كلام البلغاء إلّا شاذّا نادرا . قال ابن الأثير : والقرآن الكريم ملآن منه « 2 » .
قال تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
« 3 » . فقد جمعت الآية جميع مكارم الأخلاق والقصد في السلوك الذي هو الصراط المستقيم في الحياة .
وهذا شأن جلّ آيات الذكر الحكيم ، وإن كان قد يرتقى شأن البلاغة في بعضها أوجها فوق أطباق السماء ، وقد يتنزّل بعضها إلى آفاق قريبة من متفاهم الأعراف ،
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 4 »
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
« 5 » . ومن ثم قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) : من شاء يرتع رياض الأنائق فعليه بآل حم .
ومنه قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
« 6 » . إذ لا يمكن التعبير عنه إلّا بألفاظ كثيرة - على ما عرفت في كلام مسبق - .
قال ابن الأثير : ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب : القتل أنفى للقتل .
هامش
( 1 ) المثل السائر : ج 2 ص 337 .
( 2 ) المثل السائر : ج 2 ص 333 و 348 و 352 .
( 3 ) الأعراف : 199 .
( 4 ) الإسراء : 106 .
( 5 ) الزخرف : 3 .
( 6 ) البقرة : 179 .