مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ . كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ
« 1 » .
فقوله :
قُتِلَ الْإِنْسانُ . . .
دعاء عليه . وقوله : « ما أكفره . . . » تعجّب من إفراطه في كفران نعم اللّه عليه .
قال ابن الأثير : ولا نرى أسلوبا أغلظ من هذا الدعاء والتعجّب ، ولا أخشن مسّا ، ولا أدلّ على سخط ، مع تقارب طرفيه ، ولا أجمع للأئمة ، على قصر متنه .
ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى أجله ومآل أمره ، فقال :
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
.
ثمّ بيّن الشيء الذي خلق منه :
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
أي هيّأه لما يصلح له .
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
أي سهّل سبيله ، وهو مخرجه من بطن امّه . أو السبيل الذي يختار سلوكه في الحياة من خير أو شر .
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ
أي جعله ذا قبر يوارى فيه .
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
أي أحياه ليوم النشور .
« كلّا » ردع لهذا الانسان الكفور العاتي ، العاصي لأمر ربّه الكريم .
لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ
أي لم يقض مع تطاول عهده بالتكليف . يعني أنّ إنسانا لم يخل من تقصير قطّ .
ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك ، لأنك كنت ذهبت بجزء من معناه ، ولأخللت بأسّ من أسس المقصود . فللّه درّه من كلام وجيز بليغ .
هامش
( 1 ) عبس : 17 - 23 .