لمعان اختصّت بها ، يعرفها من يعرفها ، ويجهلها من يجهلها « 1 » .
وممّا ينخرط في هذا السلك ، الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس ، كقوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
« 2 » .
والفائدة في هذا العدول : أنّ طائفة من الناس غير المتشرّعين كانوا يعتقدون أنّ النجوم ليست في سماء الدنيا ، وأنها ليست حفظا ورجوما . فلمّا صار الكلام إلى هنا عدل إلى خطاب النفس لأنّه مهمّ من المهمّات ، فناسبه التعزيز بالاستناد إلى النفس - وهو القادر الحكيم - ومن ثمّ عاد إلى الوصف بالعزّة والعلم توكيدا .
وأيضا ممّا ينخرط في هذا السلك العدول من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة ، كقوله تعالى :
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
« 3 » وإنّما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم لأنّه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة وهو يريد مناصحتهم ليتلطّف بهم ويداريهم ، لأنّ ذلك أدخل في إمحاض النصح ، حيث لا يريد لهم إلّا ما يريد لنفسه . فقد وضع « وما لي لا أعبد . . . » مكان : وما لكم لا تعبدون الذي فطركم . بدليل « وإليه ترجعون » ولولا ذلك لقال : وإليه أرجع . وقد ساق الكلام ذلك المساق البديع إلى أن قال :
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ
« 4 » .
هامش
( 1 ) المثل السائر : ج 2 ص 176 .
( 2 ) فصّلت : 12 .
( 3 ) يس : 22 .
( 4 ) يس : 25 .