الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
.
هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب . وممّا يختصّ به هذا الكلام من الفوائد قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
بعد قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فإنّه إنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب لأنّ الحمد دون العبادة ، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده ! فلمّا كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسّطه مع الغيبة في الخبر ، فقال : « الحمد للّه » ، ولم يقل : الحمد لك . ولمّا صار إلى العبادة - التي هي أقصى الطاعات - قال :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
فخاطب بالعبادة إصراحا بها ، وتقرّبا منه عزّ اسمه بالانتهاء إلى محدود منها .
وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة ، فقال :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
فأصرح موضع التقرّب من اللّه بذكر نعمه ، فلمّا صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب ، فأسند النعمة إليه لفظا ، وزوى عنه لفظ الغضب تحنّنا ولطفا .
فانظر إلى هذا الموضع وتناسب هذه المعاني الشريفة التي الأقدام لا تكاد تطأها ، والأفهام مع قربها صافحة عنها .
وهذه السورة قد انتقل في أولها من الغيبة إلى الخطاب لتعظيم شأن المخاطب .
ثمّ انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة لتلك العلّة بعينها ، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا ، لأنّ مخاطبة المولى تبارك وتعالى بإسناد النعمة إليه تعظيم لخطابه ، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه .
فينبغي أن يكون صاحب هذا الفنّ من الفصاحة والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها .