إلى خطاب النفس كان لتخصيص القدرة ، وأنّه غير مستطاع لغيره تعالى ، وهكذا هنا ، إرادة لتخصيص هذا الحكم بالنبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) دون غيره .
وممّا جاء من الالتفات مرارا على قصر متنه وتقارب طرفيه قوله تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
.
فقال أولا : « سبحان الّذي أسرى » بلفظ الواحد ، ثمّ قال : « الّذي باركنا » بلفظ الجمع ، ثمّ قال :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
وهو خطاب غائب .
ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير . وهذا جميعه يكون معطوفا على « أسرى » ، فلمّا خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا وتفنّنا في أساليب الكلام ، ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ .
وقد أسهب ابن الأثير الكلام هنا وأبدع وأجاد ، فلنتتبّع مقاله :
قال : وسأذكر ما سنح لي في هذه الآية الكريمة :
لمّا بدأ الكلام ب « سبحان » ردفه بقوله : « الذي أسرى » إذ لا يجوز أن يقال : الذي أسرينا . فلمّا جاء بلفظ الواحد - واللّه تعالى أعظم العظماء ، وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الأول بالثاني ، فقال :
« باركنا » . ثمّ قال : « إنه هو » عطفا على « أسرى » ، وذلك موضع متوسّط الصفة ، لأنّ السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره ، وتلك حال متوسّطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب .
فانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة ، التي جاءت