يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
« 1 » .
فإنّه إنّما قال :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . . .
ولم يقل : فآمنوا باللّه وبي . . .
لكي يمكن إجراء الصفات عليه ، تنبيها على أنّ الذي يجب اتّباعه هو هذا الانسان المتّصف بهكذا صفات تؤهّله للإمامة وحمل رسالة اللّه إلى الناس . . .
إظهارا للنّصفة ، وبعدا من تهمة التعصّب للنفس . . . فقرّر أولا في صدر الآية أنه رسول اللّه إلى الناس .
ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين ، الأول : إمكان إجراء تلك الصفات عليه . الثاني : الخروج من تهمة حبّ الذات ، لئلّا يكون ممّن يجرّ النار إلى قرصه . وهذا من لطيف البيان في المداراة مع العامّة .
ونوع آخر من الالتفات ، ما يكون الانتقال فيه من الفعل المستقبل أو الماضي إلى فعل الأمر ، وهذا يدخل في الحدّ الذي ذكره السكاكي : كل تعبير وقع على خلاف مقتضى السياق إذا كان لنكتة بيانية .
قال ابن الأثير : وهذا القسم كالذي قبله في أنّه ليس العدول فيه من صيغة إلى أخرى طلبا للتوسّع ولمجرّد التفنّن في أساليب الكلام فقط ، بل لأمر وراء ذلك ، وسرّ كامن خلفه . فقد يقصد ذلك تعظيما لشأن من أجرى عليه الفعل المستقبل وتفخيما لأمره ، وبالضدّ من ذلك في من أجرى عليه فعل الأمر .
فممّا جاء منه قوله تعالى :
قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
« 2 » .
هامش
( 1 ) الأعراف : 158 .
( 2 ) هود : 53 و 54 .