مواقعه بفوائد « 1 » .
وتنظّر ابن الأثير في هذا التبرير ، قال : لأنّ الانتقال في الكلام إذا كان لأجل تطرية نشاط السامع فإنّ ذلك يدلّ على أنه يملّ من أسلوبه فيضطرّ إلى الانتقال إلى غيره ليجد نشاطا للاستماع . وهذا قدح في الكلام لا وصف له ، إذ لو كان حسنا لما ملّ . على أن هذا لو سلّم لكان في مطنب مطوّل ، لا في مثل الالتفاتات الواقعة في تعابير موجزة وآيات قصيرة من الذكر الحكيم .
فلعلّ المقصود : هو مجرّد الانتقال من أسلوب إلى أسلوب ، ليكون نفس هذا هو المطلوب لا الانتقال إلى الأحسن . الأمر الذي ليس يذهب على مثل الزمخشري العارف بفنون الفصاحة والبلاغة .
قال : والوجه عندي أنّ الانتقال لا يكون إلّا لفائدة اقتضته ، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال ، وهي لا تحدّ بحدّ ، ولا تضبط بضابط ، لكن يشار إلى مواضع منها ، ليقاس عليها غيرها . فإنّا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب . ثم رأينا ذلك بعينه - وهو ضدّ الأول - قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة . فعلمنا أنّ الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة ، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود ، وذلك المعنى يتشعّب شعبا كثيرة لا تنحصر ، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه « 2 » . ثم جعل يوضّح حقيقة ما في هذا الباب بضرب الأمثلة التالية :
فأمّا الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى - في سورة الفاتحة - :
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف : ج 1 ص 14 .
( 2 ) المثل السائر : ج 2 ص 173 .