إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
« 1 » و
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
« 2 » ومن هذا النوع :
كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً
« 3 » فهذا السواد الذي أصاب وجوههم ليس لونا ولا صبغة ، وإنّما هو قطعة من الليل المظلم غشت وجوههم .
ومن « التجسيم » وصف المعنوي بمحسوس ، كوصف العذاب بأنّه غليظ
وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ
« 4 » واليوم بأنه ثقيل :
وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
« 5 » .
فيتنقّل العذاب من معنى مجرد إلى شيء ذي غلظ وسمك . وينتقل اليوم من زمن لا يمسك إلى شيء ذي كثافة ووزن .
وضرب الأمثلة على المعنوي بمحسوس ، كقوله :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
« 6 » لبيان أنّ القلب الانساني لا يتّسع لاتّجاهين . ومثل :
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً
« 7 » لبيان العبث في نقض العهد بعد المعاهدة . ومثل :
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
« 8 » لتفظيع الغيبة ، حتّى لكأنّما يأكل الأخ لحم أخيه الميّت .
وقد مرّ الكلام عن وجه هذا التشبيه .
ثم لمّا كان هذا التجسيم خطة عامّة ، صوّر الحساب في الآخرة كما لو كان وزنا مجسّما للحسنات والسيّئات :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
« 9 »
هامش
( 1 ) الأحزاب : 10 .
( 2 ) المائدة : 66 .
( 3 ) يونس : 27 .
( 4 ) إبراهيم : 17 .
( 5 ) الإنسان : 27 .
( 6 ) الأحزاب : 4 .
( 7 ) طاقات حلّ فتلها . سورة النحل : 92 .
( 8 ) الحجرات : 12 .
( 9 ) الأنبياء : 47 .