ومن ذلك :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
« 1 » و
أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
« 2 » فبعد أن تصبح الخطيئة شيئا مادّيا تتحرك حركة الإحاطة .
وبعد أن تصبح الفتنة لجّة يتحرّكون هم بالسقوط فيها .
ومنه :
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
« 3 » .
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
« 4 » . ففي المثال الأول يصبح الحقّ والباطل مادّتين تستر إحداهما بالأخرى . وفي المثال الثاني يصبح ما أمر به مادّة يشقّ بها ويصدع ، دلالة على القوة والنفاذ .
ومنه :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
« 5 »
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها
« 6 » ففي المثال الأول يستحيل الهدى والضلال نورا وظلمة ، ثم تبدأ عملية الإخراج المتخيّلة . وفي المثال الثاني يصبح الايمان عروة ، ثمّ تبدأ الحركة المتخيّلة في الاستمساك بها . فتؤدّي هذه الصور المجسّمة المتحرّكة إلى تمثّل أوضح وأرسخ للمعنى الخيالي المجرّد .
بهذه الطريقة المفضّلة في التعبير عن المعاني المجرّدة سار الأسلوب القرآني في أخصّ شأن يوجب فيه التجريد المطلق والتنزيه الكامل ، فقال :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
« 7 » .
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
« 8 » .
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
« 9 » .
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
« 10 » .
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
« 11 » .
هامش
( 1 ) البقرة : 81 .
( 2 ) التوبة : 49 .
( 3 ) البقرة : 42 .
( 4 ) الحجر : 94 .
( 5 ) البقرة : 257 .
( 6 ) البقرة : 256 .
( 7 ) الفتح : 10 .
( 8 ) هود : 7 .
( 9 ) البقرة : 255 .
( 10 ) الأعراف : 54 .
( 11 ) فصلت : 11 .