حتى يحيله إلى غير حاله الأوّلي .
وأحسن من هذا أن يقال : إنّه شبّه انتشار الشيب باشتعال النار في سرعة التهابه ، وتعذّر تلافيه ، وفي عظم الألم في القلب به ، وأنّه لم يبق بعده إلّا الخمود ! فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبّه والمشبّه به ، وذلك في الغاية القصوى من التناسب والتلاؤم « 1 » .
وقيل من شرط بلاغة التشبيه أن يشبّه الشيء بما هو أفخم وأروع منه ، ومن هنا غلط بعض الكتّاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبّها له ، فقال : « هامة ، عليها من الغمامة عمامة ، وأنملة خضبها الأصيل ، فكان الهلال منها قلامة » قال ابن الأثير ، وهذا الكاتب حفظ شيئا وغابت عنه أشياء ! ! فإنّه أخطأ في قوله « أنملة » وأيّ مقدار للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل ؟
وأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقلامة ، وتشبيهها بالهلال .
فإن قيل : إنّ هذا الكاتب تأسّى فيما ذكر بكلام اللّه تعالى حيث قال :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
« 2 » ، فمثّل نوره بطاقة فيها ذبالة « 3 » .
وقال اللّه تعالى :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
« 4 » فمثّل الهلال بأصل عذق النخلة .
فالجواب عن ذلك أني أقول : أمّا تمثيل نور اللّه تعالى بمشكاة فيها مصباح ، فإنّ هذا مثال ضربه للنبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) . ويدلّ عليه أنّه
قال : « يوقد
هامش
( 1 ) المثل السائر : ج 2 ص 133 - 135 .
( 2 ) النور : 35 .
( 3 ) الطاقة : سقيفة لها طوق هلالي . والذبالة : الفتيلة .
( 4 ) يس : 39 .