فإنّه شبّه الليل باللباس ، وذاك أنه يستر الناس بعضهم عن بعض ، من أراد هربا من عدوّ ، أو ثباتا لعدوّ ، أو إخفاء ما لا يحبّ الاطّلاع عليه من أمره .
قال : وهذا من التشبيهات التي لم يأت بها إلّا القرآن الكريم ، فإنّ تشبيه الليل باللباس ممّا احتفى به دون غيره من الكلام المنثور والمنظوم .
وكذلك قوله تعالى :
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
« 1 » فشبّه المرأة باللباس للرجل ، وشبّه الرجل باللباس للمرأة « 2 » .
وهذا من لطيف التشبيه ، كما أنّ اللباس زينة للمرء وساتر لعورته وحافظ له عن التعرّض للأخطار ، كذلك زوج المرء يزيّنه ويستر عوراته ويقيه من مزالق الأدناس . فما أجمل هذا التشبيه وأدقّه من تعبير ؟ ! قال : ومن محاسن التشبيه قوله تعالى :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
« 3 » . وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة . والحرث هو الأرض التي تحرث للزرع ، وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعا كما يزدرع البذر في الأرض .
ومن هذا الأسلوب قوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
« 4 » فشبّه تبرّؤ الليل من النهار بانسلاخ الجلد عن الجسم المسلوخ . وذلك أنّه لمّا كانت هوادي الصبح « 5 » عند طلوعه ملتحمة باعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ .
وكان ذلك أولى من أن لو قيل « يخرج » لأنّ السلخ أدلّ على الالتحام من الإخراج ، وهذا تشبيه في غاية المناسبة .
وكذلك ورد قوله تعالى :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
« 6 » فشبّه انتشار الشيب باشتعال النار . ولمّا كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأول كان بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم وتسري فيه ،
هامش
( 1 ) البقرة : 187 .
( 2 ) المثل السائر : ج 2 ص 133 .
( 3 ) البقرة : 223 .
( 4 ) يس : 37 .
( 5 ) الهوادي : المقادم .
( 6 ) مريم : 4 .