حيث شبّه فتكه بالمال وبالعدا - وذلك صورة مرئية - بفتك الصبابة وهو فتك معنوي « 1 » وفتك المال كناية عن بذله وتفريقه بين المحاويج . والصبابة :
الشوق ورقّة الهوى .
ومثاله من القرآن قوله تعالى :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
« 2 » فقد شبّه فوران الماء وخروجه عن حدّ الاعتدال ، بحالة التكبّر والاستعلاء الذي يجعل الانسان عاتيا وخارجا على القوانين والحدود والأعراف . فالطغيان - وهو التكبّر والاستعلاء من غير حق - أمر معنوي ، وقد شبّه به فوران الماء وهو أمر محسوس .
وهكذا قوله تعالى :
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ
« 3 » .
والعتو - وهو التكبّر - من الأمور المعقولة ، استعير هنا للريح ، وهي محسوسة والجامع بينهما - في كلتا الآيتين - هو الإضرار الخارج عن حدّ العادة « 4 » .
تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة ؟
ميزة قرآنية أخرى جاءت في تعابيره المفيضة بالحياة . وتلك طريقته الفنّية في تصويره لمباهج هذا الكون ، لا تمسّ ريشة تعبيره جامدا إلّا نبض بالحياة ، ولا يصيب قلم تحبيره هامدا إلّا انتفض بالتحرّك والهياج ، كأنما العالم كله في لوحة تصاويره ، أحياء غير أموات ، والمظاهر كلها حركات لا هدوء ولا خمول هكذا يفعل القرآن في منطقه الساحر ، ويصوّر من عالم الوجود في بيانه الباهر .
كل شيء حي ، وكل شيء دائب في الحركة مستوفي طريقه نحو الكمال . تلك
هامش
( 1 ) المثل السائر : ج 2 ص 130 .
( 2 ) الحاقة : 11 .
( 3 ) الحاقة : 6 .
( 4 ) الطراز للأمير العلوي : ج 3 ، ص 339 .