وقوله :
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 1 » .
ففي بادئ النظر كان المتناسب ختم آية البقرة بالقدرة ، لأنّها حديث عن الخلق ، وختم آية آل عمران بالعلم ، لأنها حديث عن علمه بما في الصدور .
لكن الحديث هناك كان عن الخلق والتدبير لانّه تعالى قال :
خَلَقَ لَكُمْ
أي في مصالحكم حسب حاجاتكم وتأمين معايشكم ، فناسبه الختم بالعلم بشؤون الخليقة والإحاطة بمصالحهم .
أمّا في آية آل عمران فكان السياق سياق وعيد وتحذير ، والنهي عن اتخاذ الكافرين أولياء
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
. فناسبه الختم بالقدرة ، وإنّ اللّه على كلّ شيء - ومنه جزاء المعتدي - قدير .
وقوله تعالى :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
« 2 » .
فلا تناسب ظاهرا بين تسبيح الأشياء والختم بالحلم والمغفرة .
لكن السياق كان عرضا مسهبا عن سيئات أعمال كانت تقوم به عرب الجاهلية
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
« 3 » . فلغرض تحريضهم على التوبة عنها والرجوع إلى شريعة اللّه المقدّسة عقبها بالحديث عن تسبيح ما في هذا الكون ، فليكونوا كغيرهم من سائر الخلائق . فناسبه الختم بالحلم عمّا فعلوه في حينه ، والغفران عمّا ارتكبوه إذا رجعوا وأنابوا .
نكت وظرف :
قال الإمام بدر الدين الزركشي : من بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين في
هامش
( 1 ) آل عمران : 29 .
( 2 ) الإسراء : 44 .
( 3 ) الإسراء : 38 .