قال جرجي زيدان : وأكثر هجوه - بعد الإسلام - الذي وصل إلينا ، في الزبرقان وبغيض . كان الزبرقان من عمّال عمر بن الخطاب ، وقد عرف شدّة وطأة الحطيئة فأحبّ أن يقرّبه فأنزله في قومه وضمن له مئونة عياله على أن يستصفي له مدحه . وكان بغيض وإخوته ينافسون الزبرقان ، فاغتنموا استهانة ( امّ شذرة ) أمّ الزبرقان مرّة بالحطيئة فدعوه إليهم وأكرموه وبالغوا في إكرامه ، فمدحهم بالبيت المشهور الذي رفع رؤوسهم به وهو :
قوم هم الأنف ، والأذناب غيرهم * ومن يسوّي بأنف الناقة الذنبا ؟
وكان من هجوه للزبرقان بهذه المناسبة :
واللّه ما معشر لاموا امرأ جنبا * في آل لأي بن شمّاس بأكياس
إلى أن يقول :
ملّوا قراه وهرّته كلابهم * وجرّحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين اللّه والناس
فشكاه الزبرقان إلى عمر ، فدعا عمر حسان بن ثابت ، فقال : أتراه هجاه ؟
قال : نعم ، وسلح عليه ، فسجنه . فكتب إليه من السجن :
ما ذا تقول لأفراخ بذي مرخ * حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة * فاغفر عليك سلام اللّه يا عمر
فأخرجه من السجن وهدّده بقطع لسانه واذنيه ، فتوسط له عمرو بن العاص فأطلق سراحه وأوصاه أن يكفّ عن الهجو « 1 » .
وبلغ من شغف الحطيئة بالهجو أنّه هجا والديه وهجا نفسه « 2 » .
وهو من أصحاب المشوبات ، ومطلع مشوبته :
نأتك امامة إلّا سؤالا * وأبصرت منها بعين خيالا
هامش
( 1 ) راجع الإصابة : ج 1 ص 379 .
( 2 ) راجع في ذلك تأريخ الآداب : ج 1 ص 170 .