من هم الراسخون في العلم ؟ :
الراسخون في العلم هم من لمسوا من المتشابه وجه التشابه فيه أوّلا ، ثمّ تمكنوا من الوصول إلى وجه تخريجه الصحيح في نهاية الأمر ، لأنّ فهم السؤال نصف الجواب كما قيل .
إذ الراسخون في العلم هم من عرفوا من قواعد الدين أسسها المكينة ، ودرسوا من واقع الشريعة أصول مبانيها الرصينة ، ومن ثمّ إذا ما جوبهوا بما يخالفها في ظاهر اللفظ ، عرفوا أنّ له تأويلا صحيحا ، يجب التوصل إليه في ضوء تلكم المعارف الأوّلية ، ومن جدّ في طلب شيء ، وكان من أهله ، تحصّله في نهاية المطاف . أمّا الجاهل الأعمى فلا يعرف من الدين شيئا سوى ظواهره ، من غير أن يميز بين محكماته والمتشابهات .
والخلاصة : أنّ العلماء الصادقين ، بما أنّهم واقفون على قواعد الشريعة ، وعارفون بموازين الشرع ومقاييسه الدقيقة ، إذا ما عرضت عليهم متشابكات الأمور هم قادرون على استنباط حقائقها وعلى أوجه تخريجاتها الصحيحة .
ومن ثمّ فإنّهم يعلمون تأويل المتشابهات بفضل رسوخهم في فهم حقيقة الدين بعناية ربّ العالمين
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 1 » ،
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً
« 2 » ،
الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ
« 3 » ، وقد قال تعالى :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
« 4 » . أوليس العلم بحقائق الشريعة البيضاء من الماء الغدق ؟ إنّها شربة حياة العلم ، يفيضها الإله تعالى على من يشاء من عباده المؤمنين ، ويطلعهم على أسرار الملك والملكوت في العالمين .
هامش
( 1 ) العنكبوت : 69 .
( 2 ) مريم : 76 .
( 3 ) فصلت : 30 .
( 4 ) الجن : 16 .