تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
يصح في شأنه ان يقال : انه يمشي بعد الأكل . ولا يضر بهذا الاطلاق ان لا يمشي بعد الأكل أحيانا ، إذا لم يخالف عادته رأسا . فالمؤمن المعتقد هو الذي يلتزم على نفسه بأن يجتنب المعاصي ولا يقتر بها ولا يضره الاقتراف أحيانا على خلاف المعتاد . وهذا يصدق بشأنه « انه يجتنب الذنوب » أي يحاول بكل جهده اجتنابها وان كان قد تعاكسه الظروف رغم عادته . ومن ثمّ قال تعالى - بشأن المؤمنين فيما يخص جانب تركهم للمعاصي - :
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ ، وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
« 1 » . ولم يقل : « اجتنبوا » لان الماضي يدل على تواصل الاجتناب في الماضي ، ويثلمه التخلف في فترة أو فترات . فمن ارتكب كبيرة مرة أو مرّات طول حياته ، لا يصدق بشأنه أنه اجتنبها بصيغة الماضي ، لكن يصدق بشأنه انه مجتنب أو يجتنب المعاصي بصيغة اسم الفاعل أو المضارع . ولذلك لما جاء دور معصية خصوص الشرك ، عبّر تعالى بصيغة الماضي :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها
« 2 » . لأنها معصية غير مغفورة وليست بالتي لا تضر بالايمان أن يقترفها المؤمن أحيانا في حياته ! والخلاصة : انه تعالى ذكر في الآية الكريمة أولا جانب الايمان وفعل الطاعات وعبر عنه بصيغة الماضي ، دلالة على الاستمرار والتواصل « الذين أحسنوا » . ثمّ ذكر جانب ترك المعاصي واجتناب المحرمات ، وعبّر عنه بصيغة المضارع ، دلالة على اعتبار كون المؤمن بانيا على تركها وملتزما على نفسه اجتنابها ، الأمر الذي لا يضره الاقتراف أحيانا .
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
« 3 » . ففي هذا الاختلاف في التعبير ماضيا ومضارعا - دلالة واضحة على أن
هامش
( 1 ) الشورى : 37 . ( 2 ) الزمر : 17 . ( 3 ) هود : 114 .