هنا سؤال ذو جانبين ، أحدهما عام : هل يستطيع أحد أن يقف على تأويل المتشابهات ، بل وعلى تأويل آي القرآن كله ؟ . والثاني خاص : ما ذا يستفاد من الآية -
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
- « 1 » بالذات ، هل الواو للتشريك أو الاستئناف ؟ .
وللإجابة على الجانب الأوّل للسؤال نقول : لا شكّ أنّ القرآن كما هو مشتمل على آيات محكمات ، مشتمل على آيات متشابهات . ولا محالة يقصده أهل الأهواء والأطماع الفاسدة ، سعيا وراء المتشابهات ابتغاء تأويلها وانحرافها إلى ما يلتئم وأهدافهم الباطلة ، وقد جاء التصريح بذلك في نفس الآية :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
فلولا وجود علماء ربانيين في كلّ عصر ومصر ينفون عنه تأويل المبطلين - كما في الحديث الشريف
- « 2 » لأصبح القرآن معرضا خصبا للشغب والفساد في الدين .
فيجب - بقاعدة اللطف - وجود علماء عارفين بتأويل المتشابهات على وجهها الصحيح ، ليقفوا سدا منيعا في وجه أهل الزيغ والباطل ، دفاعا عن الدين وعن تشويه آي الذكر الحكيم .
وأيضا - لو كانت الآي المتشابهة مما لا يعرف تأويلها إلّا اللّه ، لأصبح قسط كبير من آي القرآن لا فائدة في تنزيلها سوى ترداد قراءتها ،
وقد قال رسول اللّه
هامش
( 1 ) آل عمران : 7 .
( 2 ) راجع : سفينة البحار : ج 1 ، ص 55 .