تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
وقال :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
« 1 » . فهذه الآيات تدلّ على أنّ القرآن النازل كان عند اللّه أمرا أعلى وأحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطع والتفصيل ، لكنه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقروء وألبسه لباس العربية ، لعلهم يعقلون ما لم يكن لهم سبيل إلى تعقّله ومعرفته ما دام في امّ الكتاب قال تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 2 » فالاحكام هو كونه عند اللّه لا ثلمة فيه ولا تفصيل ، والتفصيل هو جعله فصلا فصلا وآية آية وتنزيله على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله « 3 » . ولعل ما زعمه ابن تيمية ناجم عن خلط أمر المصداق بأمر التأويل ، إذ لم يعهد إطلاق اسم « التأويل » على الوجود العيني ، وإنّما يطلق عليه اسم « المصداق » حسب مصطلح الفن . فإنّ كل لفظة لها مفهوم هو ما يتصوره الذهن من دلالة ذلك اللفظ . ولها مصداق هو ما ينطبق عليه ذلك المفهوم خارجا ، كالتفّاحة لها مفهوم هو وجودها التصوري الذهني ، ولها مصداق هو وجودها العيني الخارجي ، ذو الآثار والخواص الطبيعية ، ولم يعهد إطلاق اسم التأويل على هذا الوجود العيني للتفّاحة أصلا . ومنشأ الاشتباه أخذ التأويل من أصل اشتقاقه اللغوي بمعنى « مآل الأمر » أي ما يؤول إليه أمر الشيء كما في قوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ
« 4 » . أي ينتظر هؤلاء لينظروا إلى ما يؤول أمر هذا الدين . . . ويوشك أن يأتي اليوم الذي ينتظرونه ، غير أنّ الفرصة قد فاتتهم ولات الساعة ساعة مندم .
هامش
( 1 ) الزخرف : 3 - 4 . ( 2 ) هود : 1 . ( 3 ) راجع : الميزان ج 3 ، صفحات : 25 و 45 و 49 و 54 و 55 . ( 4 ) الأعراف : 53 .