وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 1 » نزلت رادعة لعادة جاهلية ، كان الرجل إذا أحرم نقب في مؤخّر بيته نقبا ، منه يدخل ومنه يخرج .
وهذه العادة أصبحت لا وجود لها بعد أن باد أهلها . غير أنّ الآية لم تمت بذلك وإنّما بقي عموم ردعها عن إتيان الأمور من غير وجوهها بصورة عامّة « 2 » فهذا تأويلها المنطوي عليه الآية ، يعمل بها مع الأبد .
وقوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
« 3 » .
تفسيرها : أنّ اللّه هو الذي
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ
« 4 » وهذا معنى ظاهري يدلّ عليه ظاهر اللفظ .
وجاء في تأويلها : إذا فقدتم حجة من حجج اللّه الذين كنتم ترتوون من عذب نميرهم ، فمن الذي يأتيكم بحجة أخرى يواصل هديكم في ركب الحياة « 5 » . وهذا المعنى يعبر عنه بالبطن ، لا يجرأ أحد على بيانه إلّا بنصّ معصوم . واستعارة ينبوع الماء لمصدر الهداية الربانية شيء متناسب ، فكما أنّ الماء هو أصل الحياة المادية ، كذلك الهداية الإلهية هي أصل الحياة العليا السعيدة .
ويتلخّص الكلام في حقيقة التأويل أنّه يستعمل في موردين :
الأول : في توجيه المتشابه ، سواء أكان كلاما متشابها ، أم عملا مثيرا للريب . والتأويل بهذا المعنى خاصّ بالآي المتشابهة فحسب .
الثاني : في المعنى الثانوي للكلام ، المعبر عنه بالبطن ، تجاه المعنى الأوّلي المعبّر عنه بالظهر . والتأويل بهذا المعنى عام لجميع آي القرآن ، فإنّ للقرآن ظهرا وبطنا ، وربّما إلى سبعة بطون .
هامش
( 1 ) البقرة : 189 .
( 2 ) راجع : تفسير شبّر : ص 67 ، طبعة الكشميري .
( 3 ) الملك : 30 .
( 4 ) الزمر : 21 .
( 5 ) راجع : تفسير الصافي : ج 2 ، ص 727 .