تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
وقد تبيّن أنّ التأويل - بكلا الاصطلاحين - هو من قبيل المعنى والمفهوم الخافي عن ظاهر الكلام ، وبحاجة إلى دلالة صريحة من خارج ذات اللفظ . وقد شذ ابن تيميّة فيما زعم أنّ معرفة تأويل الشيء إنّما هو بمعرفة وجوده العيني قال : فإنّ للشيء وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ، والكلام لفظ له معنى في القلب ويكتب بالخط ، فإذا عرف الكلام وتصوّر معناه في القلب وعبّر عنه باللسان فهذا غير الحقيقة الموجودة في الخارج ، مثال ذلك : أنّ أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وخبره ونعته ، وهذا هو معرفة الكلام ومعناه وتفسيره . وتأويل ذلك هو نفس محمّد صلّى اللّه عليه وآله المبعوث ، فالمعرفة بعينه معرفة تأويل ذلك الكلام . وكذلك إذا عرف الانسان الحج والمشاعر وفهم معنى ذلك ، ولا يعرف الأمكنة حتّى يشاهدها فتكون تأويل ما عرفه أوّلا « 1 » . وهكذا ذهب سيدنا العلّامة الطباطبائي - دام ظلّه - إلى أنّ التأويل ليس من مداليل الألفاظ ، وإنّما هو عين خارجية ، وهي الواقعية التي جاء الكلام اللفظي تعبيرا عنها . قال : الحق في تفسير التأويل أنّه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية ، من تشريع وموعظة وحكمة ، وأنّه موجود لجميع آي القرآن ، وليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ ، بل هي من الأمور العينية المتعالية من أن تحيط بها شبكات الألفاظ . وأنّ وراء ما نقرأه ونتعقّله من القرآن ، أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثل من المثال وليس من سنخ الألفاظ ولا المعاني ، وهو المعبّر عنه بالكتاب الحكيم ، وهذا بعينه هو التأويل ، ومن ثمّ لا يمسّه إلّا المطهرون ، قال تعالى :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
« 2 » . وقال :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
« 3 » .
هامش
( 1 ) في تفسير سورة التوحيد : بنقل رشيد رضا في تفسير المنار : ج 3 ، ص 195 . ( 2 ) الواقعة : 79 . ( 3 ) البروج : 22 .