تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
عن معالم الانسانية العليا ، وعن الاستقامة على الطريقة المثلى الكريمة . وقد يبلغ به التيه إلى حيث لا يرعوي وان بلغ به الجهد مبلغه في العطب والعناء فقد تمكّن الشيطان من نفسه وغلبه هواه وصرعته الخطايا والآثام ، الأمر الذي افتقد معه جميع دلائل الحياة « 1 » ، فلا فعالية له ولا إرادة ولا إدراك ولا احساس :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ . وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ
- والحال هذه -
لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
« 2 » . إذن فلا فائدة في التضييق على مثل هذا الهائم في بيداء الضلال
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
« 3 » فيوفر اللّه عليه نعمه في هذه الحياة « 4 » ، فلا يمدّ يدا إلى حاجة الا وقد نالها ، ولا ينطلق في جهة الا وقد وافته الأماني وأقبلت عليه الدنيا بكلّ زخارفها ، فلا يزداد إلّا اغترارا وابتعادا عن رضوانه تعالى فانقلبت نعم اللّه عليه نقما وخذلانا ، كما كانت البلايا بالنسبة إلى المؤمن الصالح نعما وألطافا . قال أبو عبد اللّه الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « إنّ اللّه إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكّره الاستغفار . وإذا أراد بعبد شرّا فأذنب ذنبا ، أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى بها ، وهو قول اللّه عزّ وجلّ :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
. قال : بالنعم عند المعاصي . وسئل ( عليه السلام ) عن الاستدراج ، فقال : « هو العبد يذنب الذنب فيملي له ويجدّد له عندها النعم فتلهيه عن الاستغفار من الذنوب ، فهو مستدرج من حيث لا يعلم » .
هامش
( 1 ) تقدم تفسيرنا لآية الحيلولة : 24 من سورة الأنفال ص 245 ، بهذا المعنى ، فقد حالت الخطايا بينهم وبين قلوبهم فلا يكادون يفقهون شيئا . ( 2 ) الأنفال : 22 - 23 . ( 3 ) النمل : 80 . ( 4 ) لان في التضييق قد يكون انقلاع عن المعصية ورجوع إلى اللّه بالإنابة اليه ، فهو لطف - أحيانا - وتوفيق ، يمنعه تعالى عن المتمرد العنود ، حيث العلم بعدم التأثير .