تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
243 -
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
« 1 » . لا يدلّ على الترخيص ، وانما هو على سبيل اللوم والتوبيخ لهم على التمسك بما هم عليه من الباطل ، الأمر الذي يشفّ عن قدرتهم على الاقلاع والعدول عنه إلى دين محمّد ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) .

مسألة الاستدراج :

الاستدراج مأخوذ من الدرج وهو المشي في أناة خطوة خطوة ، يقال : درج الصبي أي مشى على حيطة وحذر في خطى قصيرة . والامّ تستدرج ولدها : تجعله يمشي كذلك ، أي تواكبه في المشي المذكور تدريبا له . وقد اصطلح استعماله في امهال العصاة ليزدادوا غيا وجهالة . كأنّ النعم المتوافرة عليهم تواكبهم في مسيرهم إلى الضلال فيحسبوا أنّهم على هدى وأنّهم يحسنون صنعا . الأمر الذي يزيد في ضلالهم والابتعاد عن الحق فلا ينكفئون إلى طريق الرشد والصلاح أبدا . ومن ثمّ فسره أهل اللغة بالخدعة . وهذا التفسير صحيح إلى حدّ ما ، إذا ما لاحظنا المبدأ القائل : « خذ الغايات ودع المبادئ » . فاللّه تبارك وتعالى انما يفعل بالكافر المعاند ما يستحقّه من عقوبة عاجلة . وكان يشبه فعل المخادع الذي يحاول خداع غريمه . والكافر هو الذي ينخدع بوفرة النعمة عليه ، لفرط حمقه وجهالته وليس اللّه بالذي حاول خدعه . والاستدراج هو نوع خذلان استحقّه العاصي المتمرّد ، واستوجبه لنفسه على أثر صموده في الغيّ والضلال ، فلا تكاد تؤثّر فيه الموعظة اطلاقا ، ومن ثمّ يتركه اللّه ونفسه في غياهب هذه الحياة المغرية ، المغرّرة بالمفتتن بها . انّ المغتر بهذه الحياة الدنيا ، المعجب بلذائذها السفلى ، لا يزال يزداد نهما وانهماكا في مطاليب مبتذلة وخسيسة إلى حدّ بعيد . الأمر الذي يزيده ابتعادا
هامش
( 1 ) الكافرون : 6 .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 316 | الشيخ محمد هادي معرفة