قال : وإلى هذه الحقيقة يشير قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
« 1 » فهو تعالى - لكونه مالكا لكلّ شيء ، ومن جملتها الانسان ، ملكا حقيقيا ، لا مالك حقيقة سواه - كان أقرب إليه حتى من نفسه ومن قوى نفسه التي يملكها الانسان ، لأنه تعالى هو الذي ملكه إياها ، فهو الحائل المتوسط بينه وبينها ، إذا شاء ملكه إياها وإذا شاء منعه منها . ولذلك عقبها بقوله : « وأنه إليه تحشرون » حيث الملك الحق للّه وحده لا شريك له انما يتجلى ذلك اليوم ، وعنده يبطل كلّ ملك ظاهر وتنقشع كلّ سلطنة صورية ،
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
« 2 »
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
« 3 » .
قال : فكأنّه تعالى يقول : واعلموا أنّ اللّه هو المالك حقيقة لقلوبكم ، وانّه أقرب إليكم من كلّ شيء ، وستحشرون إليه فتبدوا لكم حقيقة ملكه وسلطانه الشامل فلا يغني عنكم منه شيء . وبذلك لا يدع مجالا لأي اعتذار عن رفض الدعوة ، وعدم الاستجابة للّه ولرسوله إذا دعاهم لما يحييهم . لأنه تعالى أقرب إليه من قلبه المعترف في صميمه باللّه وحده لا شريك له . فإن كان يشك في شيء فانّه في واقع فطرته لا يشك في اللّه الواحد الذي هو ربّ كلّ شيء . ولن يضل في معرفة هذه الحقيقة وتمييز كلمة الحق .
فإذا ما دعاه داعي الحق إلى قبول كلمة الحق فلا عذر له في ترك الاستجابة ، ما دام قلبه معترفا بها ، من غير أن يختلط عليه حقيقة الأمر أو يرتاب في صميم الواقع كلّا انها إجابة إلى داعية الفطرة ، المنطوي عليها الضمير . وان كل ما يختلج قلبه من وساوس وشكوك فاللّه سبحانه هو المتوسط بينها وبين وجدانه الأصيل ، الأمر الذي لا يجعل للانسان سبيلا إلى الجهل به تعالى أو الشك في توحده .
وعليه فليس لأي انسان - تجاه دعوة الحق - أن يضمر في قلبه ما يخالف
هامش
( 1 ) الأنفال : 24 .
( 2 ) غافر : 16 .
( 3 ) الانفطار : 19 .