تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
بخصوصيات الشيء
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
« 1 » . فإذا ما قارنّا هذا التعليل الذي في الذيل ، مع تكلم النعوت في صدر الآية ، يتضح جانب عموم تلك الصفات بجلاء ، الأمر الذي لا يكاد يخفى على ذوي الأذواق الأدبية الدقيقة ! . ولابن تيمية هنا محاولة فاشلة ، قال : « المراد من الإدراك في الآية هي الرؤية المقيدة بالإحاطة ، ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل لا يقال أنّه أدركها ، وإنّما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية . قال : ونحن في هذا المقام ليس علينا بيان ذلك ، وإنّما ذكرنا هذا بيانا لسند المنع ، بل المستدل بالآية عليه أن يبين أنّ الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية ، وأنّ كلّ من رأى شيئا يقال في لغتهم أنّه أدركه ، وهذا لا سبيل إليه ، كيف وبين لفظ الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص ، فقد تقع رؤية بلا إدراك ، وقد يقع إدراك بلا رؤية . . . » . وأضاف : « أنّ الآية مدح ، ومعلوم أنّ كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح ، لأنّ النفي المحض لا يكون مدحا ان لم يتضمن أمرا ثبوتيا ، ولان المعدوم أيضا لا يرى ، والمعدوم لا يمدح ، فعلم أنّ مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه » « 2 » . وقد غفل أنّ الإدراك جاء في الآية مقيدا بالأبصار ، وهو من أوضح القرائن على أن المراد به « الرؤية بالعين » تجاه تقييده بالقلب ، المراد به الدرك النفساني المجرد ، يقال : أدركته ببصري ، ويراد معنى يغاير قولهم : أدركته بقلبي . وهذا كاف مستندا للمستدلين بالآية على نفي رؤيته تعالى ، الأمر الذي لم يتنبه له شيخ حرّان ! هذا ، ونفي الرؤية في الآية جاء معللا بأنّه تعالى « لطيف » ، وهو من النفي المتضمن للاثبات لا النفي المحض ، فهو كقوله تعالى :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
« 3 »
هامش
( 1 ) يونس : 61 . ( 2 ) منهاج السنة ، تحقيق محمد رشاد ط بيروت : ج 2 ص 243 - 244 . ( 3 ) البقرة : 255 .