تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
إذن فالذي يرى هو الجسم . والعلة هي الجسمية ، المفقودة في ذاته المقدسة . وأمّا قياس الأشعري الرؤية بالعلم فهو قياس مع الفارق ولا جامع بينهما . مضافا إلى أنّ الاستدلال بالوجود والعلم على جواز الرؤية باطل في نفسه ، بعد أن نجد في بداهة العقل أشياء لها وجود ، كالعلم والعقل والإرادة والكراهة والحبّ والبغض « 1 » ، هي موجودة ومعلومة ولكن لا تصحّ رؤيتها لأنّها ليست أجساما ، وما ليس جسما لا يمكن تحقق التقابل بينه وبين نظر الرائي ، وهو شرط في تحقق الرؤية . 10 - وأمّا تقييد عموم النفي في قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
« 2 » بالرؤية في الدنيا ، أو برؤية الكافرين ، فهو تأويل قبيح بعد أن كانت الآية إشارة بشأن من شؤون الربّ تعالى ومدحا لائقا بمقام قدسه جل ثناؤه . قال تعالى :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
« 3 » . انظر إلى هذا الاطراء الجميل بمقام الألوهية الكريمة ، نوّهت عن صفات ونعوت جليلة كانت صبغتها العموم المطلق ، لا الاختصاص بهذه الحياة القصيرة المدى أو بأناس دون أناس ، الذي يتنافى وكونها صفات جلال واكرام . هذا ، فضلا عن تذييل الآية بشبه تعليل للنعوت المذكورة : « وهو اللطيف الخبير » . إذ اللطيف مقابل الكثيف ، لا يمكن مسه ولا النظر إليه ، والخبير هو المحيط
هامش
( 1 ) راجع : شرح الأصول الخمسة للقاضي : ص 274 . ( 2 ) الانعام : 103 . ( 3 ) الانعام : 101 - 104 .