نزول آية عن أخرى بفترة طويلة أو قصيرة ، ولكنها سجلت اثرها مباشرة ، وتقدم البحث عن ذلك في الجزء الأول « 1 » فراجع .
هذا . . وقد انكر سيدنا الأستاذ - دام ظله - وقوع نسخ بين الآيتين اطلاقا ، قال : فان القول بالنسخ يتوقف على اثبات الفصل بين الآيتين نزولا ، واثبات ان الثانية نزلت بعد العمل بالأولى ، لئلا يلزم النسخ قبل حضور وقت الحاجة ، والا كان التشريع الأول لغوا . قال : أضف إلى ذلك ان سياق الآيتين أصدق شاهد على أنهما نزلتا مرة واحدة .
ونتيجة ذلك ان الحكم في الآية الأولى استحبابي . . . « 2 » .
لكنه - دام ظله - لم يذكر سند استظهاره الأخير ، وكيف ان السياق يدل على اتصال نزولهما معا من غير فصل زمنى ؟
ومن ثم فان العكس هو الظاهر من السياق ، فان قوله تعالى :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً
يدل بوضوح على تأخر نزول الثانية عن الأولى بفترة ، ربما غير قصيرة ، مرت خلالها تجربة عنيفة على المسلمين ، ظهر منها ضعفهم وتثاقلهم عن التكليف الأول .
فان لفظة « الآن » تدل دلالة واضحة على تلك الفترة ، ولولاها لم يكن موقع لهذه اللفظة أصلا . وهكذا التعبير بالتخفيف يدل على تكليف سابق شاق ، الامر الذي يتناسب مع كونه الزاميا لا الاستحباب . وأخيرا فان قوله « علم أن فيكم ضعفا » أيضا خير شاهد على ذلك ، إذ المعنى :
ظهر ان فيكم ضعفا ، مما يتناسب مع وقوع تجربة تبدى خلالها ضعف المسلمين ووهنهم عن مقاتلة اضعافهم بعشرات .
هامش
( 1 ) صفحة : 214 - 217 .
( 2 ) البيان ص 375 - 376 .