وعلى اى تقدير فان عدم انتظام خط المصحف الأول كان أول عامل في نشوء اختلاف قراءة القراء .
كان على القارئ نفسه ان يختار نوع الحرف والشكل وتمييز الكلمة في حركتها القياسية ونوعية اعرابها ، فضلا عن اعجامها وتشكيلها ، حسب ما يبدو له من قرائن وأحوال وشواهد ونظائر ، ومناسبة المعنى واللفظ ، فكان عليه - لا محالة - ان يلاحظ جميع هذه الملاحظات ثم يختار القراءة التي يراها وفق الاعتبار الصحيح في نظره .
ولا شك ان المذاويق والسلائق ، وكذلك الانظار والدلائل تختلف حسب عقليات الاشخاص وسابقة المامهم بالامر ، ومبلغ ممارستهم للموضوع ، ومن ثم وقع الاختلاف في قراءة القرآن حسب تفاوت الاجتهادات النظرية ، فقد استند كل قارئ إلى علل وحجج ربما تختلف عن حجج الآخرين .
وقد صنف كثير من العلماء في مستندات القراءات المختلفة وذكروا عللها وحججها ، منهم : أبو على الحسن بن أحمد الفارسي في كتابه « الحجة في علل القراءات السبع » . ومنهم أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي ، في كتابه « الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها » وسنذكر نماذج من كلامهما .
هذا . . . واما الرواية أو السماع من الشيخ فلم يكن ينضبط تماما إذا كانت تعتمد على مجرد الحفظ ، ومن غير أن تتقيد بالثبت في سجلات خاصة ، أو في نفس المصحف الشريف برسم علائم - مثلا - . فلا محالة كان يقع فيها خلط أو اشتباه كثير ، لا سيما إذا طالت الفترة بين الشيخ الأول والقارئ الأخير .
تلك أهم أسباب الاختلاف في القراءات مضافة إلى اجتهادات نظرية واعتبارات كان القارئ يلاحظها ويستند إليها في قراءته .
وسنفصل هذا الجانب في الفصل التالي .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 21
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٢١