تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
يقتصرون في الافتاء - منذ ذلك العهد - على ما أفتى به الأئمة الأربعة فحسب . وهي كارثة عظمى أوقفت نابضة حياة المسلمين ، التي كانت قبل تتقدم إلى الامام بخطوات واسعة « 1 » . وفائدة أخرى نتوخاها وراء هذا العرض ، هو : الوقوف على مدى تأثير الاجتهاد الشخصي في اختيارات القراء ، كان أحدهم يتتلمذ على شيخه ليتعرف إلى أصول القراءة ، وهكذا عند غيره وآخر . لكنه بعد ما اجتمعت لديه معلومات عن أصول الفن ، كان يستقل في الاختيار ، ويستند في قراءاته إلى اجتهاده الخاص . قال أبو عبيد - في كتاب القراءات - : كان الكسائي يتخير القراءات ، فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا . وقال أبو عمرو الداني : قرأ الكسائي على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، واختار لنفسه قراءة . . . وهكذا « 2 » . وهذا شئ طبيعي كثيرا ما يختلف اختيار التلميذ عن شيخه ، حيث اختلاف الانظار والسلائق . والا لكانت القراءة تقليدية يتداولها شيخ عن شيخ من غير اختلاف مع الأبد . وهكذا نجد اختلاف بعض القراء - وهم في طبقة واحدة - مع البعض . أو نقض أحدهم على صاحبه - وهما يقرءان على شيخ واحد - كل ذلك دليل على مدى تحكيم الاجتهاد في اختيار القراءات . من ذلك ما ذكره ابن مجاهد ، قال : قال لي قنبل : قال القواس - في سنة سبع وثلاثين ومائتين - : الق هذا الرجل ( يعنى البزى ) « 3 »
هامش
( 1 ) وقد وصف المؤرخون هذا القرن الرابع بدور ضعف الاسلام وانحطاط المسلمين وشيوع الفوضوية والاضطراب في انحاء البلاد الاسلامية . راجع : مروج الذهب ج 2 ص 73 وآدم متز ج 1 ص 25 . ( 2 ) انظر : - القراء الكبار للذهبي - ج 1 ص 100 - 101 . ( 3 ) قنبل والبزى راويا ابن كثير .