كان الفصل المتقدم معرضا خصبا وحافلا بأنواع القراءات ، عرضناها لغرض التحقيق من قيمتها تجاه تواتر النص القرآني الأصل .
وقد تمخض البحث : ان لا شأن للقراءات - ذاتيا - سوى كشفها عن النص الأصل ، إذا توفرت فيها شروط القبول . وسنبحث عن هذه الناحية - في فصل قادم - عندما نعرض موقفنا من القراء والقراءات .
وهنا - في هذا الفصل - نحاول التعرف إلى شئ من تراجم كبار أئمة القراء منذ العهد الأول حتى نهاية القرن الثالث ، حيث معرفتهم بالثبت الأول وعهدهم بالنص الأصل ، ومن ثم فان استفادتنا من اختياراتهم في القراءات كثيرة . وهذه الفائدة تنعدم عندما ننتهى من هذا القرن ، ونستشرف - بمطلع القرن الرابع - على معالم الضغط السياسي العارم « 1 » حيث انغلاق أبواب الاختيار في القراءات « 2 » ، شأنه شأن الاجتهاد في الأحكام الشرعية ، حيث انسد بابه في نفس القرن « 3 » وأصبح الفقهاء - ما عدا فقهاء الإمامية - مقلدين محضا ،
هامش
( 1 ) انظر : الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 7 ص 299 . وآدم متز - الحضارة الاسلامية في القرن الرابع - ج 1 ص 387 ، وستأتي إشارة أخرى إلى ذلك .
( 2 ) حوالي سنة 323 . انظر : ترجمة ابن شنبوذ ، في « معرفة القراء الكبار » للذهبي ج 1 ص 224 .
( 3 ) حوالي سنة 365 . انظر : اختلاف مذاهب الفقهاء ، في « فرائد الأصول » للمحقق الأنصاري - ط رحمة اللّه - ص 468 . والخوانساري ، في « روضات الجنات » ج 4 ص 307 .