وهكذا قرأ أبى بن كعب : « كلما أضاء لهم مروا فيه » وقرأ أيضا :
« سعوا فيه » بدل « مشوا فيه » « 1 » . وكان يقول : « ان قلت : غفورا رحيما ، أو قلت : سميعا عليما أو عليما سميعا ، فاللّه كذلك ، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب » « 2 » .
وتبعهما في ذلك أنس وأبو هريرة أيضا . قرأ أنس : « ان ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا » . فقيل له : يا أبا حمزة ، انما هي « وأقوم قيلا » ؟ فقال : أقوم ، وأصوب ، وأهدى ، واحد « 3 » . وكان أبو هريرة يجوز تبديل « عليما حكيما » إلى « غفورا رحيما » « 4 » .
هذا . . . ولكنه مذهب فاسد في رأى المحققين ، ومن ثم رفضه جمهور المسلمين طول التاريخ ، إذ لكل كلمة خاصة موقعية لا تناسبها كلمة أخرى ، حتى ولو كانت مرادفة لها . فضلا عن غير المرادفة .
إذ موضع استعمال « العليم الحكيم » - مثلا - يختلف عن موضع استعمال « الغفور الرحيم » .
وهكذا جميع الكلمات المترادفة في لغة العرب ، لكل واحدة منها موقعية خاصة ، إذا لاحظها المتكلم كان كلامه بديعا ، وبذلك يعرف الفصيح عن غير الفصيح ، وقد بلغ القرآن في هذه الناحية حد الاعجاز ، فإنه فاق الفصحاء العرب في تعيين مواقع الكلمات المتناسبة بما اعجزهم واخضعهم للاعتراف ببلاغته الخارقة .
اذن فكيف نجيز لآحاد المسلمين ان يستبدلوا من كلمات القرآن بما يترادف معها من سائر الكلمات ، وهل يعرف أحد ، كحد معرفته تعالى ، بموقعية الكلمات بعضها من بعض ، البالغة حد الاعجاز ؟ !
هامش
( 1 ) الاتقان ج 1 ص 47 .
( 2 ) البلاغي في مقدمة تفسير شبر ص 20 نقلا من كنز العمال .
( 3 ) تفسير الطبري ج 1 ص 18 .
( 4 ) الاتقان ج 1 ص 47 .