وما أشبه . ومن ثم حاول العلماء جهدهم في تعيين المكيّات من المدنيّات ، ووقع إجماعهم على قسم كبير ، واختلفوا في البقيّة . كما استثنوا آيات مدنيّة في سور مكيّة أو بالعكس ، ولذلك تفصيل طريف يأتي .
والملاك في تعيين المكّي والمدنيّ مختلف حسب اختلاف الآراء والأنظار في ذلك ، وفيما يلي ثلاث نظريّات جاءت مشهورة :
الأولى : اعتبار ذلك بهجرة النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) ووصوله إلى المدينة المنوّرة .
فما نزل قبل الهجرة أو في أثناء الطريق قبل وصوله إلى المدينة ، فهو مكيّ ، وما نزل بعد ذلك فهو مدنيّ .
والملاك على هذا الاعتبار ملاك زمني ، فما نزل قبل وقت الهجرة ، ولو في غير مكّة فهو مكّي . وما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة حتى ولو نزل في مكّة عام الفتح أو في حجة الوداع ، فهو مدنيّ باعتبار نزوله بعد الهجرة . وعلى هذا الاصطلاح فجميع الآيات النازلة في الحروب وفي أسفاره ( صلى اللّه عليه وآله ) بما أنّها نزلت بعد الهجرة ، كلّها مدنيّات .
قال يحيى بن سلام : ما نزل بمكّة أو في طريق المدينة قبل أن يبلغها ( صلى اللّه عليه وآله ) فهو مكّي . وما نزل بعد ما قدم ( صلى اللّه عليه وآله ) المدينة أو في بعض أسفاره وحروبه فهو مدنيّ . قال جلال الدين : وهذا أثر لطيف يؤخذ منه أنّ ما نزل في سفر الهجرة مكيّ اصطلاحا « 1 » .
وذلك كقوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ »
« 2 » قيل : نزلت بالجحفة والنبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) في طريق هجرته إلى المدينة « 3 » .
الثانية : ما نزل بمكّة وحواليها - ولو بعد الهجرة - فهو مكيّ ، وما نزل بالمدينة وحواليها فهو مدنيّ . وما نزل خارج البلدين ، بعيدا عنهما فهو لا مكىّ ولا مدنيّ ،
هامش
( 1 ) الإتقان : ج 1 ص 9 .
( 2 ) القصص : 85 .
( 3 ) البرهان : ج 1 ص 197 .