نعم ، الطرق إلى معرفة مواقع النزول : أنّها كانت بمكة أو بالمدينة أو بغيرهما ، قليل جدا ، لأنّ الأوائل لم يعيروا هذه الناحية المهمّة اهتماما معتدّا به ، سوى ما ذكروه في عرض الكلام استطرادا ، وهي استفادة ضئيلة للغاية ، ومن ثم يجب لمعرفة ذلك ملاحظة شواهد وقرائن من لفظ الآية أو استفادة من لهجة الكلام ، خطابا مع نوعيّة موقف الموجّه إليهم : أكان في حرب أم في سلم ، وعد أم وعيد ، إرشاد أو تكليف . . . ؟ فيما إذا أوجب ذلك علما أو حلّا قطعيّا لمشكلة في لفظ الآية ، كما في قوله :
« فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما »
« 1 » ، فإنّ مشكلة دلالتها على مطلق الترخيص دون الإلزام والإيجاب ، تنحلّ بما أثّر في سبب نزولها « 2 » . الأمر الذي يوجب الثقة بصحة الأثر ، مع غضّ النظر عن ملاحظة السند ، ومن ثم فهي مدنيّة .
قال الجعبري : لمعرفة المكيّ والمدنيّ طريقان : سماعيّ وقياسيّ .
فالسماعيّ ما وصل إلينا نزوله بأحدهما . والقياسيّ ، قال علقمة عن ابن مسعود : كلّ سورة فيها
« يا أَيُّهَا النَّاسُ » *
فقط ، أو « كلا » أو أوّلها حروف تهجّ سوى الزهراوين ( البقرة وآل عمران ) والرعد - في وجه - أو فيها قصة آدم وإبليس سوى الطولى ( البقرة ) أو فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية ، فهي مكيّة . وكلّ سورة فيها حدّ أو فريضة ، فهي مدنيّة . وفي رواية : وكلّ سورة فيها :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » *
فهي مدنيّة .
قال الزركشي : وهذا القول - الأخير - إن أخذ على اطلاقه ففيه نظر ، فإنّ سورة البقرة مدنيّة وفيها :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ »
« 3 » ، وفيها :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً »
« 4 » . وسورة النساء مدنية وفيها :
هامش
( 1 ) البقرة : 158 .
( 2 ) كان المسلمون يتحرّجون السعي بين الصفا والمروة ، زعما أنّها عادة جاهليّة تكريما بمقام أساف ونائلة ، فنزلت الآية دفعا لهذا الوهم . راجع مجمع البيان : ج 1 ص 240 .
( 3 ) البقرة : 21 .
( 4 ) البقرة : 168 .