الأحزاب ، اللّهم اهزمهم وانصرنا عليهم يا ربّ العالمين » . فأرسل اللّه جلّ جلاله ريحا عاتية ، في ليلة شاتية مظلمة ، خلعت خيام الكافرين ، وكفأت قدورهم ؛ وانسحبت قريش وأحزابها ، في ظلام الليل يجرّون أذيال الخوف والانكسار ؛ وسجّل اللّه عزّ وجل ذلك في القرآن الكريم ، بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ( 11 )
.
وتصف الآيات صدق بعض المؤمنين وبلاءهم الحسن ، وإخلاصهم للّه في الجهاد حتى رؤي بعض الشهداء ، وفيه أكثر من سبعين ضربة بسيف ، أو طعنة برمح ، أو رمية بسهم ؛ وفي مثل هؤلاء يقول عزّ وجلّ :
وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً ( 22 ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ( 23 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 24 )
.
ثمّ تصف الآيات رحيل الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وحماية اللّه للمسلمين في هذه الموقعة ، وهو سبحانه القويّ العزيز . ولمّا رحلت الأحزاب عن المدينة ، نزل جبريل من السماء وقال : « يا محمد إن الملائكة لم تضع السلاح بعد ، اذهب إلى بني قريظة فإنّ اللّه ناصرك عليهم ، جزاء خيانتهم وغدرهم » فقال ( ص ) : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يصلينّ العصر إلّا في بني قريظة » . وهناك حاصر المسلمون بني قريظة ، ثمّ أجلوهم عن ديارهم ، وغنم المسلمون أرضهم ودورهم وأموالهم وحصونهم المنيعة ، بقدرة اللّه ، وهو على كل شيء قدير . قال تعالى :
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ